تبدو الاجواء محزنه بين حديث التلفاز السىء الرتيب الذى يطرح مشاكل المجتمع فى صور لا تقدم حلول بقدر ما تبث روح العجز ,ُتـنسى الناس ان هناك اصالة وقيم فى المجتمع و ان المشهد الاجتماعى لا يُختزل فى شارع عشوائى او فوضى اخلافية , انظر الى الساعه اجدها تقترب من الخامسه اقرر ان ارتدى ملابسى و اتناول قهوتى. ربما افتقد لحديث النفس ,او ربما الحنين الى الشوارع القديمة فى مدينتى بالصعيد , الشوارع القديمة لها تاريخ فى البناء وذكريات فى الوجدان تمثل مكون رئيسى فى بيئتنا هى تمثل سمة الزمن القديم و روحه واصالته اشعر بنسمات تثلج صدرى ,حالة من الانجذاب و الاسترخاء الذهنى تنتابنى ..الى ان تاخذنى قدماى الى احد الشوارع القديمة التى لها زمن لم ازورها ادقق النظر الى هذا الشارع ...انه الشارع الذى تسكن فيه عمتى.... تغير فى بعض ملامحه لكنه لازال يحمل تُراثية البناء.. التفت الى بعض البيوت و التى اعرف بعضها ...هم جيران عمتى اجد فى الشرفه امراة عجوز انظر اليها.. اتذكر انها "ام مصطفى" هى بالطبع لا تعرفنى لكنى اعرفها جيداً لقد آكلت من يدها خبزاًو انا صغيرة ,كانت تُرافق عمتى فى عمل البيت بعد اصابة زوجها بالمرض و جلوسه للفراش كم عانت عمتى مع زوجها رحلة من المرض و تربية الاولاد و خلافات مع اقارب زوجها و هى تتحمل بصبراًو جلد, لكى تنجو باسرتها من منعطفات الحياة اعود مرة ثانية بفكرى الى الشارع حيث مسكن عمتى "الحاجه فاطمه "وبين تردد وحيرة فى نفسى من ان اسبب ازعاج و حنين جارف لها والاطمئنان عليها , انظر الى باب منزلها واتذكر ذكريات الطفوله انا و اخوتى و ابناء عمتى عندما كنا نضحك صغاراً على باب بيتها كان مصنوع من الخشب تحفه فنية وعلى الباب يد خشبية جميلة الصنع ,كنا نضحك ونقول لعمتى انه باب من زمن المماليك,تعود بى الذكريات بين الماضى الحاضر,و اكرر الدق باليد الخشبيه ,ثم اقول لنفسى " يمكن تكون نايمه " لكن مشاعرى كطفل يتشبث بالباب
ترد عمتى :"مين
اللى بيخبط "...اناو سام يا عمتى .. صوتها يطوى سنين من الالم والحزن..ثم
تكرر و سام. تتبدل ملامح الصوت الحزين الى
حالة من الفرح .ارتمى بين احضانها فى ظل
مشاعر متآججه تحمل الشوق وكآننى اجد فى
احضان عمتى رائحة من عبق الزمن الجميل لا
تختلف عن شارعها الاصيل اجد احساس يحمل السكينة,اقول
لنفسى انه جسدها النحيل و يديها الصغيرة و ملابسها الغامقة اللون و شالها الاسود .تصتُحبنى
بالداخل تلمس يدى و تقبلها و اقبل انا يديها
تلمس بيديها ملامح وجهى وذلك لانها
فقدت بصرها لكنها لازالت تمتلك البصيرة .لازالت تحتضنى بعبارات حارة بالترحيب , انظر انا الى جدران المنزل الى موقد ها الذى يشع بالدفءو قطتها الصغيرة التى تجلس بجوارها و
تحت قدميها وصوت الراديو الذى دائما ماكان
على نشرة الاخبار او اذاعة القران الكريم وصورة جدى وصورة
زوجها وصورة الدكتوراه ل ابنتها أمانى وأحمد ربما الزمن لم ينال من البيت بقدر ما نال من اصحابه ,تعد
عمتى الشاى المظبوط من على الموقد . اقترب منها اكثر احاول ان ارسم صورة لها صورة لكل شىء جميل افتقده ...تسالنى عمتى
عن احوالى واحوال القاهرة و المظاهرات ..وانا اقول لنفسى انا لا اريد ان اتكلم انا
اريد ان اسمعها ارسم شكلها اسجل صوتها واحساسها
.اقول لها هو فى زى ايام زمان حتى الثورة زمان كان لها قائد كان فيه زعامه واخلاص
.تاخذنى عمتى الى زمن عبدالناصر حتى اسمع اكثر, تسرد لى عن زمن
عبدالناصر رمز الاصلاح والامان والرجوله والموقف الحر معشوق الامه ..وتروى ان عندما توفى عبد الناصر كانت هى فى القاهرة
..فتح الصعايدة بيوتهم و المضايف لياخدوا العزا فى عبدالناصر..وتقول لى جيلك يفتقد
قيمة الكبير ..كبير يقود ..ثم تحملنى الى ذكريات جدى و السحور فى رمضان وقيام الليل فى المندره .وذكريات
البيت الكبيرو قراءة القراءن..وبركة الاب ورضا الام وحكمة وحنية جدى رحمة الله عليه وذكريات ليالى الشيخ محمد صديق عندما يقيم فى بيت جدى وتاتى اسيوط كلها لحضور حفل الشيخ محمد صديق المنشاوى شيخ المقارىء .يا سلام على لمة الاحباب و معنى
الاخوة فى الله حتى بعد وفاة جدى ظل الود قائم
..قد ايه الناس كانت حلوه
يا بتى
اصل الصلاح ده من البنى ادم نفسه و ضميره ... والا مفيش فايده لا ثورة
ولا غيره. ثم تاخذنى الى ايام النكسه ...وان الناس قدرت تجتاز الازمه فى ظل ارتفاع الاسعار كنا نسمع عن اللى بيحصل فى الجبهة نخاف على و لادنا لكن كنا شداد قادرين على العدو بره و جوه
وتروى لى عن الترابط الذى يجمع بين الجيران و الاقارب ..وانه الفلاحين كانوا يزرعوا ويهادوا بعض ..واى حد
كان بيشتغل فى اى مكان كان يبلغ ا لتانى عن القماش الصوف فى عمر افندى عن ا للحمه فى الجمعية ما كنش فى بينا وحاشه ولا حقد ايوه كل زمن فيه الكويس و الوحش لكن يا بتى الايام دى الدين و الاخلاق الناس عايزين ينسوهم ,لازال الحديث شيق و لا زالت انا ملتزمة الصمت .
..تظل عمتي تحكى عن تعامل المجتمع مع الازمه حتى ان كتب الله لنا النصر وتحكى عن ابناء عمتي الحاجه ام مصطفى كان لها اثنان من ابنائها فى الحرب و عمتي الحاجه ام محمد ايضا كان لها ابناء فى الحرب تصف لي مشهدا ربما لا يترجم فى كلمات عن حالة الامهات والسؤال عن ابنائهن فى المستشفيات ومن ظل فى علم الغيب و من اعتبر من المفقودين ثم تقول كل حاجه و لها ثمن و الارض ديمًا تمنها دم .
ثم تنتقل الى
ما آلم بالعائلة من احداث ومجريات فلان ابن فلانه عمل ايه..
و فلانه سوت ايه .فى ظل سرد اجتماعي سياسي
رائع وبسيط حملني من شوق الرؤية الى التاريخ ثم الى الاصالة ... انظر الى ساعتي,دائماً ما يجرى
الوقت مسرعاً فى رحاب الاحباب .ثم اقول فى
خجَل مؤلم ..الوقت قد تاخر و انا على سفر ..تصمت عمتي و ترد قائلة : بنبرة تحمل صفة الرد الاولى التى ردت بها على
عندما قرعت الباب .تمسك بيدى "خلى
بالك من نفسك "وتصمت ثم تعود قائلة "اوعى تتجوزي اي حد وخلاص لازم تاخدى وا حد ابن اصول يصونك ويعرف قيمتك انت
تستاهلى كل خير , ارد قائلة: يا عمتي انت الخير كله ,اقترب
من الباب تدعو لي بصوت هادىء رقيق ثم تقول :: "سلالملى على خلاتك وخلانك ..اه صح.. نعم يا عمتي حضرتك تؤمرى.. بتروحى سيدنا الحسين ,"ابتسم انا: بروح يا عمتي ,"تمسك بكتف". الفاتحه امانه فى سيدنا الحسين و السيده نفسيه ,عمك سيد
الله يرحمه كان يحب يصلى هناك " ارد
انا :حاضر ,ثم اخذها فى احضانى وانظر الى كل ركن فى البيت و انظر اليها كانني
التقط صور لذاكره لاُسكن انينى ,ثم اقول
لنفسي احفظ كل شيء حتى ان ياذن الله لنا
بزيارة اخرى .اشوف و شك بخير .لا اله الا الله ترد
بدموعها محمد رسول الله اترك
المكان و آلم الفراق يعتصرنى اريد ان اهرب
من هذا الاحساس ,احساس الفراق و كآنه قدر كل غريب و زاد كل مسافر ثم اعود الى البيت واغلق حقيبتي
حتى الحق بالقطار و اقبل و الدتى و والدى
واغادر البيت ُمسرعة ..الحمد الله اجد
"تاكسي "ا سيارة اجره محطة القطار يا اسطى يرد السائق نعم الحمد الله اصل الى رصيف1 قطار 981 اجلس فى المقعد ومع بداية الاقلاع تعود على لحظات الالم و اسال نفسى متى تنتهى الرحله فى
كل مره يصل القطار لا اصل انا.. يسكن القطار من سفره و لا اسكن انا , فى رحلتى
احمل بين اعماقي آلم الفراق ليس فراق اشخاص بقدر ما هو فراق اصاله افتقدها فى صخب
القاهرة ليست المسافة اقطار نقطعها و لكنها ثقافات, حيرة بين ما نحلم و ما نرجو, يغلبني النوم .الى
ان استيقظ على مشارف محطة الجيزة لقد
اقتربنا من محطة الوصول "القاهرة " نعم ..هي لها سحرها,يصل بنا القطار الى رصيف 11
.
انه اللقاء الاخير بيني و بين" الحاجه فاطمه "
اهدى هذه الكلمات الى عمتى التى رحلت عنا و تركت لى صوراًمن الذاكره و دعوات رائعه اكرمها الله ارجو ان اكون وفيت بوعدى لها و قرات لها الفاتحه فى سيدنا الحسين و السيده نفسيه
فارقتنى هى كما يفارقنى القطار فى كل مره .
الى اللقاء من حكايات رصيف 11
من اصالة الصعيد الى صخب القاهرة.
من اصالة الصعيد الى صخب القاهرة.
وسام عبد المجيد
مدونة رؤيه
الحاجه فاطمه
4/
5
Oleh
Unknown

